فخر الدين الرازي

44

تفسير الرازي

فأعلى درجاته أن يكون قريب الملك لكن القربة بالعبادة كما قال تعالى : * ( واسجد واقترب ) * ( العلق : 19 ) . وقال : " لن يتقرب المتقربون إلى بمثل أداء ما افترضت عليهم " وقال : " لا يزال العبد يتقرب بالعبادة إلي " فالمعطل لا ملك ولا قريب ملك لعدم اعتقاده بملك فلا مرتبة له أصلاً ، وأما التشريك فلأن من يكون سيده لا نظير له يكون أعلى رتبة ممن يكون سيده له شركاء خسيسة ، فإذن من يقول إن ربي لا يماثله شيء أعلى مرتبة ممن يقول سيدي صنم منحوت عاجز مثله ، فثبت أن عبادة الله وتقواه خير وهو خير لكم أي خير للناس إن كانوا يعلمون ما ذكرناه من الدلائل والاعتبارات . قوله تعالى * ( إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْثَاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لاَ يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فاَبْتَغُواْ عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُواْ لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) * . ذكر بطلان مذهبهم بأبلغ الوجوه ، وذلك لأن المعبود إنما يعبد لأحد أمور ، إما لكونه مستحقاً للعبادة بذاته كالعبد يخدم سيده الذي اشتراه سواء أطعمه من الجوع أو منعه من الهجوع ، وإما لكونه نافعاً في الحال كمن يخدم غيره لخير يوصله إليه كالمستخدم بأجرة ، وإما لكونه نافعاً في المستقبل كمن يخدم غيره متوقعاً منه أمراً في المستقبل ، وإما لكونه خائفاً منه . فقال إبراهيم : * ( إنما تعبدون من دون الله أوثاناً ) * إشارة إلى أنها لا تستحق العبادة لذاتها لكونها أوثاناً لا شرف لها . قوله تعالى : * ( إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقاً فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له إليه ترجعون ) * . إشارة إلى عدم المنفعة في الحال وفي المآل ، وهذا لأن النفع ، إما في الوجود ، وإما في البقاء لكن ليس منهم نفع في الوجود ، لأن وجودهم منكم حيث تخلقونها وتنحتونها ، ولا نفع في البقاء لأن ذلك بالرزق ، وليس منهم ذلك ، ثم بين أن ذلك كله حاصل من الله فقال : * ( فابتغوا عند الله الرزق ) * فقوله : * ( الله ) * إشارة إلى استحقاق عبوديته لذاته وقوله : * ( الرزق ) * إشارة إلى حصول النفع منه عاجلاً وآجلاً وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : قال : * ( لا يملكون لكم رزقاً ) * نكرة ، وقال : * ( فابتغوا عند الله الرزق ) * معرفاً فما الفائدة ؟ فنقول قال الزمخشري قال : * ( لا يملكون لكم رزقاً ) * نكرة في معرض النفي أي لا رزق عندهم أصلاً ، وقال معرفة عند الإثبات عند الله أي كل الرزق عنده فاطلبوه منه ، وفيه وجه آخر وهو أن الرزق من الله معروف بقوله : * ( وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ) * ( هود : 6 ) والرزق